الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
337
مختصر الامثل
الخشونة الكلامية ، واستعمال الثانية في الخشونة العملية والسلوكية ، وبهذا يشير سبحانه إلى ما كان يتحلى به الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله من لين ولطف تجاه المذنبين والجاهلين . ثم إنّه سبحانه يأمر نبيّه بأن يعفو عنهم إذ يقول : « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ » . وهذا الكلام يعني أنّه سبحانه يطلب من نبيّه أن يعفو عنهم فيما بينه وبينهم ، وأمّا ما بين اللَّه وبينهم فهو سبحانه يغفر لهم ذلك . وقد فعل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله ما أمره به ربّه وعفى عنهم جميعاً . بعد إصدار الأمر بالعفو العام يأمر اللَّه نبيّه صلى الله عليه وآله بأن يشاور المسلمين في الأمر ويقف على وجهات نظرهم ، وذلك إحياءاً لشخصيتهم ، ولِبث الروح الجديدة في كيانهم الفكري والروحي اللذين أصابهما الفتور بعد الذي حدث ، إذ يقول : « وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ » . صحيح أنّ كلمة « الأمر » في قوله تعالى « وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ » ذات مفهوم واسع يشمل جميع الأمور ، ولكن من المسلم أيضاً أنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يشاور الناس في الأحكام الإلهيّة مطلقاً ، بل كان في هذا المجال يتبع الوحي فقط . بقدر ما يجب على المستشير أن يتخذ جانب الرفق واللّين في المشورة مع مستشاريه يجب اتخاذ القرار الأخير بصرامة وحسم ، وهذا هو ما يعبر عنه بالعزم في قوله سبحانه في هذا السياق إذ يقول : « فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » . ثم إنّه سبحانه وتعالى يأمر المؤمنين في ختام الآية أن يتوكلوا على اللَّه فحسب لأنّه تعالى يحبّ المتوكلين إذ يقول : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكّلِينَ » . هذا ويستفاد من هذه الآية أنّ التوكل يجب أن يكون بعد التشاور ، وبعد الأخذ والاستفادة من جميع الإمكانيات المتاحة للإنسان حتماً . بعد أن يحث الباري سبحانه وتعالى عباده على أن يتوكلوا عليه ، يبين في هذه الآية - التي هي مكملة للآية السابقة - نتيجة التوكل وثمرته وفائدته العظمى فيقول : « إِن يَنْصُرُكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرْكُم مِّن بَعْدِهِ » . وهو بهذا يشير إلى أنّ قدرة اللَّه فوق كل القدرات ، فإذا أراد بعبد خيراً وأراد نصره وتأييده والدفاع عنه لم يكن في مقدور أية قوة في الأرض - مهما عظمت - أن تتغلب عليه . والكلام في الآية السابقة موجه إلى شخص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأمر له ولكنه في هذه الآية موجه إلى جميع المؤمنين وكأنّها تقول لهم : إنّ عليهم أن يتوكلوا على اللَّه كما يفعل النبي صلى الله عليه وآله